"يحملون صور المفقودين".. عائلات البلوش في باكستان يحتجون على غياب أبنائهم

"يحملون صور المفقودين".. عائلات البلوش في باكستان يحتجون على غياب أبنائهم
اعتصام عائلات البلوش في باكستان - أرشيف

على جانب طريق في قلب العاصمة إسلام آباد، تحت شمس الصيف الحارقة، يجلس رجال مسنون ونساء منهكات وأطفال صغار، بعضهم حافٍ، وبعضهم يلوذ بظل لافتة تحمل صور أحبائه المفقودين. 

هؤلاء ليسوا مجرد متظاهرين، بل هم آباء وأمهات وأبناء يبحثون عن وجوه غابت خلف جدران مجهولة، منذ سنوات طويلة، في واحدة من أكثر قضايا حقوق الإنسان مأساوية في باكستان.. الاختفاء القسري في بلوشستان.

بدأت الشرارة في مارس الماضي، عندما خرجت حشود في مدينة كويته احتجاجًا على تصاعد حملات الاعتقال والاختفاء القسري، وعلى دفن جثث الضحايا سرًا دون إبلاغ العائلات. 

مواجهات وقتلى واعتقالات

المظاهرة، التي قادتها شخصيات بارزة من لجنة "بلوش يكجيتي" (BYC)، تحولت إلى مواجهات دامية بعد تدخل القوات العسكرية، ما أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص بينهم طفل في الثانية عشرة من عمره، وإصابة آخرين.

في أعقاب المظاهرة، اعتُقلت الناشطة الحقوقية مهرانج بلوش وخمسة نشطاء آخرين هم: جولزادي بلوش، بيبو بلوش، صبغة الله شاهجي، وعبد الغفار قمبراني. 

ومنذ ذلك اليوم، انتقل الغضب من شوارع كويته إلى قلب العاصمة، حيث نصب ذوو المعتقلين والمختفين قسريًا اعتصامًا مفتوحًا أمام أعين الحكومة والرأي العام.

اعتصام في العراء

في إسلام آباد يواجه المعتصمون ليس فقط تجاهل السلطات، بل أيضًا التضييق الميداني؛ حيث منع إقامة الخيام، إغلاق الطرق المؤدية إلى نادي الصحافة الذي لطالما كان منصة لرفع أصوات الضحايا، فرض الحواجز الأمنية، وتشديد الرقابة على الحضور. 

ورغم هذه القيود، تصر العائلات على مواصلة اعتصامها، متمسكة بحقها في معرفة مصير أبنائها.

تعود قضية الاختفاء القسري في بلوشستان إلى عقود من التوترات السياسية والعرقية، حيث طالبت الحركات البلوشية بالحكم الذاتي وتقرير المصير، لتواجه بحملات اعتقال واستهداف ممنهج للنشطاء، الطلاب، المثقفين، وحتى المواطنين العاديين.

وفق منظمات حقوقية، فقد اختفى آلاف الأشخاص دون محاكمات أو أوامر قضائية، وغالبًا ما تتلقى عائلاتهم القليل من المعلومات -أو لا شيء على الإطلاق- عن مصيرهم، ليظلوا عالقين بين الأمل واليأس.

انتهاك للقانون الدولي

منظمات محلية ودولية، بينها العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، وصفت هذه الممارسات بأنها انتهاك صارخ للقانون الدولي ولاتفاقيات حماية الحقوق المدنية والسياسية. 

لكن رغم الإدانات، تواصل الحكومة الباكستانية نفي مسؤوليتها، ولم تجرِ حتى الآن أي تحقيقات شفافة أو محاسبة علنية للمسؤولين عن هذه الانتهاكات.

إحدى المشاركات في الاعتصام، وهي والدة طالب جامعي مختفٍ منذ ثلاث سنوات، تقول بصوت مبحوح: "أريد فقط أن أعرف إن كان ابني حيًا أو ميتًا.. لا أريد شيئًا آخر". 

ويرفع طفل صورة والده المعتقل، متسائلًا: “متى سيعود إلى المنزل؟” سؤال الطفل يبدو بسيطًا، لكنه يلخص جرحًا جماعيًا مفتوحًا منذ عقود.

معركة في وجه النسيان

على الرغم من حرارة الشمس، قسوة الأرض، وغياب الحماية، يستمر الاعتصام في إسلام آباد كجرس إنذار للعالم، ورسالة مفادها أن الصمت لن يوقف البحث عن الحقيقة. 

وبالنسبة لهذه العائلات، كل يوم إضافي في الشارع هو خطوة في معركة طويلة ضد النسيان، معركة تأمل أن تجد لها صدى في الضمير الإنساني العالمي قبل أن تبتلعها ظلال الغياب.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية